أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

 


الرؤية العظمى: تفسير رؤية "الله جل جلاله" في المنام (بين الحق وأضغاث الأحلام)

                  

عندما يستيقظ الإنسان ويقول بصوت مرتجف: "رأيت ربي"، تصمت كل التفسيرات، وتخشع القلوب. هذه ليست رؤية عادية، بل هي حدث كوني في حياة الرائي. ولكن، قبل أن نخوض في التفسير، يجب أن نضع قاعدة عقائدية صارمة (على منهج أهل السنة): {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. الله لا يُرى في المنام بصورة مادية أو جسدية، فإذا رأيت صورة "إنسان" أو "ضوء محدد" وقيل لك هذا ربك، فهذا كذب من الشيطان. أما إذا قذف الله في قلبك "يقيناً وشعوراً" بعظمته دون تكييف ولا صورة، فهذه هي الرؤية الحق.

في هذا المقال، وبمنتهى الحذر والأدب، ننقل لكم تأويلات أئمة التعبير (كابن سيرين) لرؤية الحق سبحانه وتعالى.

أولاً: متى تكون الرؤية "حقاً"؟ (البشارة العظمى)

إذا رأيت الله تعالى بقلبك (استشعاراً للعظمة) من غير تحديد صورة:

  1. للمؤمن: هي بشارة بـ "حسن الخاتمة"، ولقاء الله وهو راضٍ عنه في الآخرة.
  2. للمظلوم: هي "نصر مؤزر"؛ لأن الله هو الحق، والحق لا يرضى بالظلم.
  3. للضال: إذا رآه العاصي، فهي "هداية قسرية"؛ رسالة تقول له: عد إليّ، فقد آن الأوان.

ثانياً: رموز خاصة (الكلام، الحجاب، الغضب)

1. سماع كلام الله (من وراء حجاب)

  • إذا سمعت صوته تعالى يكلمك بلطف: فهي "أمان من الخوف" وبلوغ للأماني، ورفعة في الدرجات.
  • إذا كان الكلام فيه تحذير: فهي حجة عليك، ووجب عليك التوبة فوراً.
  • تنبيه: من رأى أنه يكلم الله بلا حجاب، فقد يكون في بدعة أو يرتكب خطأً في عقيدته (إلا في حالات نادرة جداً للأولياء).

2. رؤية النور أو الحجاب

  • العجز عن النظر: من رأى نوراً عظيماً ولم يستطع النظر من الهيبة، فهذا دليل على تعظيمه لله وصلاح دينه.
  • الحجاب: من رأى أن بينه وبين الله حجاباً وطرداً، فهو يرتكب "الكبائر" {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}.

3. الغضب والرضا

  • من استشعر أن الله راضٍ عنه: نال المغفرة، ورضا الوالدين.
  • من استشعر أن الله ساخط عليه: أو رآه معرضاً عنه، فليحذر، فإن ذنوبه قد كثرت.

ثالثاً: التفسير حسب حال الرائي (المريض والمهموم)

1. للمريض (اللقاء الحق)

إذا رأى المريض ربه في المنام، فالغالب عند المفسرين أن "أجله قد اقترب"؛ لأنه ينتقل من دار الباطل إلى دار الحق، ولقاء الله حق. وهي بشارة له بالرحمة.

2. العطايا الإلهية

  • من رأى أن الله أعطاه شيئاً من متاع الدنيا: فهذا "ابتلاء" وتمحيص (مرض أو اختبار) ليرفع درجته.
  • من رأى أن الله وعده بالمغفرة: فهي حق، ووعد الله لا يُخلف.

رابعاً: تحذير شديد (الرؤية الباطلة)

انتبه جيداً يا أخي.. إذا رأيت في منامك "شخصاً" يشبه البشر، أو "تمثالاً"، أو صورة محددة الملامح، ووقع في نفسك أن هذا هو الله.. فهذا شيطان، وهذه أضغاث أحلام. الله منزه عن الصور والأشكال. الرؤية الصادقة هي "نور، جلال، شعور، صوت"، وليست "صورة".

خامساً: القرب المعنوي (المناجاة)

  • المناجاة: من رأى أنه يكلم الله ويناجيه، فهذا يؤول بأن الرائي "يكثر من تلاوة القرآن"؛ لأن القرآن هو كلام الله، ومن قرأه فقد ناجى ربه.
  • الشعور بالقرب (المعانقة الروحية): من شعر بقرب شديد من الذات الإلهية (عبر عنها ابن سيرين بالمعانقة تجاوزاً)، فقد نال الغاية القصوى من الرحمة واستجابة الدعاء.

البعد الروحاني: أعظم رسالة في الوجود

من زاوية "حكمة هيثم": رؤية الله في المنام ليست للمفاخرة، بل هي "تكليف".

  • إذا أكرمك الله بهذه الرؤية، فهذا يعني أنك لم تعد ملكاً لنفسك، بل أصبحت عبداً خالصاً له.
  • هذه الرؤية تقول لك: "إني أراك، فاحذر أن تعصاني بعد أن أكرمتك بقربي".
  • هي دعوة لمراجعة التوحيد، وتطهير القلب من كل ما سوى الله.

الخاتمة

يا من رأيت ربك في المنام.. هنيئاً لك إن كانت بقلب سليم، وحذارِ إن كانت بقلب سقيم. الزم الصمت، ولا تقصها إلا على عالم تقي، واجعل شكرك لله عملاً لا قولاً. اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

تعليقات