أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

علم الأعصاب والذِّكر: كيف تعيد التلاوة الإيقاعية برمجة الدماغ نحو الهدوء والوعي العالي

 

علم الأعصاب والذِّكر: كيف تعيد التلاوة الإيقاعية برمجة الدماغ نحو حالات وعي أعلى؟



 حين يلتقي الذكر بالعلم

لطالما ارتبط الذِّكر في الوعي الديني بالسكينة والطمأنينة والقرب الروحي، لكن سؤالًا حديثًا يفرض نفسه بقوة:
هل يمكن لهذه الممارسة القديمة أن تُحدث تغييرات حقيقية قابلة للقياس داخل الدماغ؟

في السنوات الأخيرة، بدأ علم الأعصاب يقترب من هذا السؤال دون أحكام مسبقة، مستخدمًا أدوات تصوير الدماغ، ودراسات الموجات العصبية، وتحليل الناقلات الكيميائية. والنتيجة كانت لافتة:
ما كان يُنظر إليه سابقًا كخبرة روحية ذاتية، بدأ يُفهَم اليوم كعملية إعادة تنظيم عصبي دقيقة.


ما هو الذِّكر من منظور عصبي؟

الذِّكر، في جوهره، هو تكرار إيقاعي واعٍ لكلمات أو أصوات ذات معنى، غالبًا مصحوب بتنفس منتظم وتركيز داخلي.
من منظور علم الأعصاب، يجمع الذكر بين ثلاثة عناصر قوية:

  1. الصوت المتكرر
  2. الإيقاع المنتظم
  3. الانتباه المركّز

وهذا المزيج نادرًا ما يجتمع في نشاط واحد، ما يجعله مؤثرًا بشكل استثنائي على الشبكات العصبية.


الدماغ والتكرار: كيف تتشكل المسارات العصبية؟

عندما يكرر الإنسان صوتًا أو كلمة بإيقاع ثابت، تنشط مناطق محددة في الدماغ، أهمها:

  • القشرة السمعية (Auditory Cortex)
  • القشرة الحركية (Motor Cortex)
  • مناطق التكامل الحسي

هذا التكرار لا يبقى بلا أثر، بل يؤدي إلى ما يُعرف بـ تقوية المسارات العصبية.
بعبارة مبسطة:

الدماغ يعيد ترتيب نفسه وفق ما نكرره.

وهنا يظهر الذكر كأداة إعادة برمجة لا شعورية.


موجات غاما وحالات الوعي المرتفع

تشير أبحاث حديثة إلى أن التركيز العميق المصحوب بتكرار منتظم يمكن أن يرفع نشاط موجات غاما في الدماغ، وهي الموجات المرتبطة بـ:

  • الصفاء الذهني
  • الإحساس بالمعنى
  • حالات الوعي العميق

هذه الموجات رُصدت سابقًا لدى رهبان ومتأملين ذوي خبرة طويلة، وبدأت تُرصد اليوم لدى ممارسي الذكر المنتظم.


إسكات شبكة الشرود الذهني (DMN)

أحد أهم الاكتشافات العصبية في هذا السياق هو تأثير الذكر على ما يُعرف بـ شبكة الوضع الافتراضي للدماغ (Default Mode Network)، وهي الشبكة المسؤولة عن:

  • التفكير الزائد
  • اجترار الماضي
  • القلق المستقبلي

الذكر الإيقاعي يخفّض نشاط هذه الشبكة، ما يؤدي إلى:

  • حضور ذهني أعلى
  • هدوء داخلي
  • تراجع القلق الذاتي

وهو ما يفسر الشعور بالطمأنينة العميقة بعد جلسات الذكر.


الدوبامين والسيروتونين: كيمياء السكينة

من الناحية الكيميائية، يُظهر الذكر تأثيرًا واضحًا على الناقلات العصبية، أبرزها:

  • الدوبامين: المرتبط بالتحفيز والشعور بالرضا
  • السيروتونين: المرتبط بتوازن المزاج

التركيز المستمر في الذكر يحفّز إفراز هذه المواد بشكل طبيعي، دون الاعتماد على محفزات خارجية، ما يجعل الأثر:

  • أبطأ لكنه أعمق
  • مستقرًا وغير إدماني

كما أظهرت دراسات انخفاضًا ملحوظًا في هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) لدى من يمارسون التلاوة الإيقاعية بانتظام.


الذكر وحالة “التدفّق” (Flow State)

يشبه الذكر، من حيث التأثير العصبي، ما يُعرف بـ حالة التدفق، وهي الحالة التي:

  • يذوب فيها الإحساس بالزمن
  • يرتفع التركيز
  • يقل التشتت

لكن ما يميز الذكر هو أنه:

  • لا يعتمد على مهارة معقدة
  • ولا يحتاج إلى ظروف خارجية خاصة
  • بل يمكن الوصول إليه عبر التكرار الواعي فقط


ما بعد اللحظة: التغيرات البنيوية طويلة المدى

الذكر ليس تأثيرًا لحظيًا فحسب. فمع الاستمرارية، يدخل ضمن إطار المرونة العصبية (Neuroplasticity)، أي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل بنيته.

تشير نتائج متراكمة إلى:

  • تحسّن تنظيم اللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن الخوف
  • تقوية القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن:
  • التحكم الانفعالي
  • اتخاذ القرار
  • الوضوح الذهني

والنتيجة: استجابة أهدأ للحياة، لا انسحاب منها.


كيف يمكن دمج الذكر عمليًا؟

حتى لمن لا ينطلق من خلفية دينية، يمكن الاستفادة من المبدأ العصبي للذكر عبر:

  • تكرار صوت أو كلمة ذات معنى إيجابي
  • الحفاظ على إيقاع ثابت مع التنفس
  • تخصيص دقائق يومية للتركيز دون مشتتات

العبرة ليست في اللفظ بقدر ما هي في الاستمرارية والوعي.


آفاق البحث المستقبلية

ما زال علم الأعصاب في بداية فهمه لتأثير الممارسات الروحية، لكن المؤشرات واضحة:
الدماغ ليس آلة جامدة، بل نظام قابل لإعادة التشكيل عبر المعنى والإيقاع والانتباه.

والذكر، بما يحمله من بساطة وعمق، قد يكون أحد أكثر الأدوات الطبيعية كفاءة في هذا المجال.


خاتمة

لم يعد الذكر مجرد ممارسة إيمانية تُفهَم بالحدس فقط، بل أصبح جسرًا حقيقيًا بين العلم والروح.
هو مثال حيّ على أن ما نكرره لا يغيّر أفكارنا فقط، بل يعيد تشكيل أدمغتنا… بهدوء، وعمق، واستمرار.

تعليقات